الشيخ محمد رشيد رضا
514
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأنبياء قبل البعثة من كل ذنب وانما منعوا صدور الكبائر عنهم عمدا . قال في المواقف : واما سهوا فجوزه الأكثرون وأما الصغائر عمدا فجوزه الجمهور الا الجبائي واما سهوا فهو جائز اتفاقا الا الصغائر الخسيسة كسرقة حبة أو لقمة اه المراد منه . ولم تكن معصية آدم الا عن نسيان ، وحكمتها انها مظهر استعداد نوع الانسان ، ولم تكن سببا لسوء قدوة ، ولا معارضة لما قيل في برهان العصمة ومن الغريب أن إنجيل متى روى إن إبليس حاول فتنة ( أي تجربة ) سيدنا عيسى ( ع م ) بعدة أمور ثم قال ( 4 : 8 ثم أخذه أيضا إلى جبل عال جدا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها 9 وقال له أعطيك هذه جميعا إن خررت وسجدت لي 10 حينئذ قال له يسوع اذهب يا شيطان لأنه مكتوب : للرب إلهك تسجد وإياه تعبد ) وعندنا أن اللّه تعالى قد أعاذ عيسى وأمه من الشيطان وأنه لم يمسه حين ولد كما يمس الولدان ، وليست وسوسة الشيطان لأي انسان وأمره إياه بالشر ونهيه عن الخير بنقيصة ، وانما النقيصة طاعته لعنه اللّه وقد عصم اللّه تعالى منها رسله وحفظ من دونهم من عباده المخلصين . فمثل قرناء السوء من جنة الشياطين كمثل ميكروبات الأمراض من جنة الحشرات فهذه تمس كل أحد من الناس فمن كان قوي المزاج معتدل المعيشة متقيا لها بما يرشد اليه الطب من النظافة واستعمال المطهرات القاتلة لها فإنها قلما تصيبه وإذا أصابته فلا تضره ، بل قد بنفعه بتعويد مزاجه على المقاومة ، ومن كان ضعيف المزاج مسرفا في المعيشة غير متق لها بمثل ما ذكر فإنها تؤذيه ويحدث له بسببها من الأمراض والادواء ما يكون به حرضا أو يكون من الهالكين ، والنفس الزكية الفطرة ، المتقية للّه تعالى بهداية الكتاب والسنة ، لا يكاد الشيطان يضلها ، وإذا طاف بها طائف من وسوسته في حال الغفلة كان هو المذكر لها ، فإذا هي مبصرة قائمة بما يجب عليها . فمثلها في عدم تأثير الوسوسة فيها أو عدم افسادها لها كمثل البدن القوي في عدم استعداده لفتك جراثيم الأمراض به ، كما أن النفس الفاسدة الفطرة بالشرك أو النفاق ، والمعاصي وسوء الاخلاق ، تكون مستعدة لطاعة الشيطان ، كاستعداد البدن الضعيف والمزاج الفاسد لتأثير ميكروبات الأمراض ، ومن الأرواح والأبدان